منسق المشيخة الإسلامية بكرواتيا: الأزهر واحتنا الدينية.. وإذا صلح الشباب صلح المجتمع

12-4-2018 | 15:26

خالد ياسين المنسق العام للمشيخة الإسلامية بكرواتيا

محمد عدلي الحديدي

“الأزهر الأم الحاضنة والواحة التي نستمد منها قوتنا وفهمنا لأمور ديننا.. ولا يأتي التقدم إلا بالشباب الواعي المستقيم” رسالة أتت عبر الإيميل، ضمن حوار أجرته “بوابة الأهرام” مع السيد خالد ياسين المنسق العام للمشيخة الإسلامية في جمهورية كرواتيا، الأمين العام للمسابقة الأوروبية الدولية للقرآن الكريم، أوضح فيها ياسين الغائب عن القارئ العربي والمسلم، والحاضر بقوة في الغرب.

فهذه كرواتيا، تلك البلدة الأوروبية صغيرة السكان كبيرة البنيان، قليلة الكلام كثيرة الفعل، تضرب نموذجًا في العيش المشترك منذ مائة عام بين أهل الأديان والأقلية المسلمة البالغة 62 ألف نسمة من جملة 4 ملايين كرواتي، بل كانت هذه الدولة من أولى دول أوروبا التي أقرت الإسلام دينًا رسميًا وأعطت المسلمين حقوقًا لا يجدونها في أي بلد آخر.. مسلمو كرواتيا ما لهم وما عليهم في السطور الآتية.

•• ماذا عن علاقتكم بالأزهر الشريف؟
الأزهر الشريف بالنسبة لنا هو الأم الحاضنة، ونحن نستمد قوتنا وفهمنا لأمور ديننا وما يستجد علينا في المسائل المختلفة، من هذه القامة والواحة الدينية العلمية العملاقة، فأدعو الله أن يحفظ الأزهر الشريف ويحفظ علماءه المخلصين.

•• حدثنا عن تاريخ الإسلام والمسلمين في كرواتيا؟
المسلمون في كرواتيا هم من أصول عديدة: البوشناق الأغلبية، والألبان، والعرب، والكروات، والأتراك وغيرهم، وتعد كرواتيا من أولى الدول الأوروبية التي وصل إليها الإسلام؛ حيث يرجع تاريخ دخول الإسلام إلى هذه المناطق منذ منتصف القرن العاشر الميلادي؛ وذلك عندما قدم الدعاة المسلمون من هنجاريا (بولغارا – Bolgara)، وكتب عنهم العديد من المؤرخين الأوروبيين والمسلمين، مثل الرحالة الإسلامي أبوحامد الأندلسي.

ومع بداية مطلع القرن السادس عشر الميلادي تقدمت الجيوش العثمانية ووصلت إلى كرواتيا في أقاليم سلافونيا (Slavonija) وليكا (Lika)، وخلال وجودهم تم بناء أكثر من 200 جامع ومدرسة ومنشأة، ومع هزيمة الجيش التركي بالقرب من مدينة فيينا رحل أكثر من 200 ألف مسلم عن بيوتهم وأراضيهم وانتقلوا إلى البوسنة؛ ومع بداية القرن العشرين بدأ ظهور المسلمين في كرواتيا وأخذ عددهم بالتزايد بشكل سريع؛ مما حدا بالبرلمان الكرواتي إلى إصدار مرسوم رسمي عام 1916 ينص على الاعتراف بالدين الإسلامي في كرواتيا، وكان ذلك في عهد حكم الإمبراطورية النمساوية الهنجارية (Austrogarska)؛ لتصبح بذلك كرواتيا الدولة الثانية في أوروبا بعد النمسا التي تعترف بالدين الإسلامي بشكل رسمي.

وبعد الحرب العالمية الثانية وحتى عام 1990م كان يقدر عدد المسلمين بأكثر من 100 ألف نسمة؛ حيث قدموا إلى كرواتيا من البوسنة والهرسك، والسنجق, ومقدونيا، وكوسوفو، وصربيا، ومن العالم العربي أتى طلاب للدراسة وأقاموا في كرواتيا، وحاليًا يعيش في كرواتيا 62,977 ألف مسلم بنسبة 1,5% من تعداد السكان الإجمالي البالغ 4,2 مليون، موزعين في 40 مدينة وقرية حسب الإحصائيات الرسمية لعام 2011م.

•• كيف ينظر المجتمع الكرواتي إلى المسلمين هناك؟
يحترم المجتمع الكرواتي المسلمين بشكل كبير سواء كان ذلك من الناحية الرسمية من قبل الدولة، أم من المجتمع، وخصوصًا أن المسلمين في كرواتيا ليسوا منغلقين على أنفسهم بل يشاركون في جميع نواحي الحياة، وتواصل المسلمين مع مجتمعهم هو الأمر الطبيعي والاعتيادي؛ حيث المواطنة الحقيقية هي أن نشعر بأننا جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع بغض النظر عن اختلاف الأعراق والأديان وهذا يقوي المجتمع ولا يفرقه.

ودائمًا ما يصرح رجال الدولة بأن ليس لدينا تعايش، ولكن لدينا العيش المشترك، ولا عجب أن تسمع عمدة مدينة زغرب يمتدح المسابقة الأوروبية الدولية للقرآن الكريم ويصفها بزينة مدينة زغرب، كما يحرص على المشاركة فيحفل الافتتاح وإلقاء كلمة يوجه من خلالها رسالة للدول الأخرى بأخذ نموذج كرواتيا في التعامل مع الأقليات الدينية، والتي تعمل الجمعية الإسلامية على تسويق هذا نموذج في إعطاء الحقوق لجميع الأعراق الدينية على حد سواء والعيش المشترك، مع الاحترام المتبادل والتسامح والتواصل مع الغير.

•• وماذا عن تاريخ المشيخة الإسلامية في كرواتيا؟
أنشئت المشيخة الإسلامية في جمهورية كرواتيا منذ عام 1916، ومنذ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا والمشيخة تعمل بدون انقطاع، وهي الهيئة الدينية والروحية الوحيدة لمسلمي كرواتيا ويرأسها فضيلة الدكتور عزيز أفندي حسانوفيتش المفتي العام للجمهورية، والمشيخة جمعية رسمية مستقلة ذات سيادة معترفة بها من قبل الدولة وتتبع – روحيًا – مجلس العلماء المسلمين في البوسنة والهرسك؛ كما أنها الجهة الرسمية التي تنظم الحياة الدينية ولها الصفة القانونية الاعتبارية في الدولة وتقوم على تمثيل المسلمين لدى السلطات، وكذلك تنظيم وتسيير ومراقبة الأعمال والنشاطات التعليمية والتربوية الدينية للمسلمين، ويتم انتخاب رئيس المشيخة كل 7 سنوات.

•• ما النشاطات التي تقوم بها المشيخة؟
نشاطات الجمعية الإسلامية (المشيخة الإسلامية) في كرواتيا كثيرة، وعلى رأس هذه النشاطات إقامة الشعائر الدينية، وتعليم أولاد المسلمين التعاليم الدينية في المراكز الإسلامية الثقافية والمدارس الابتدائية والثانوية الحكومية، وتعد كرواتيا من الدول الأوروبية النادرة التي أدخلت التعليم الإسلامي في المدارس الحكومية بشكل رسمي، ومقرر من قبل وزارة التربية والتعليم الكرواتية.

وكذلك تقوم المشيخة على إنشاء المدارس الإسلامية، ولدينا في زغرب المدرسة الثانوية (د. أحمد إسماعيلوفيتش)؛ وهي مدرسة رسمية تطبق برنامج وزارة التربية والتعليم، ويلتحق فيها جميع الطلبة مسلمين أو غير مسلمين بدون استثناء، وتتميز بوجود مادة التربية الإسلامية، والقرآن الكريم، والثقافة والحضارة الإسلامية ومادة اللغة العربية، بجانب المواد العلمية والتربوية، بالإضافة إلى تأسيس رياض الأطفال.

ومن أبرز أنشطة المشيخة تنظيم المسابقة الأوروبية الدولية للقرآن الكريم من خلال الأمانة العامة للمسابقة التي أرأسها، وقد نظمت هذه المسابقة على مدار 24 سنة على التوالي، ويشارك فيها متسابقون من جميع دول العالم، ومصر حاضرة بالطبع، فضلًا عن إقامة الندوات والمؤتمرات واللقاءات الشبابية والمحاضرات الدينية والعلمية والتربوية الثقافية، وملتقيات حوار الأديان، وإصدار الكتب.

كذلك تقوم بعقد القران الشرعي للمسلمين، وذبح الأضاحي، وتقديم الخدمات للجنود المسلمين في الجيش والشرطة، وزيارة سجناء المسلمين للإسهام في إصلاحهم، وتقديم المساعدات الإنسانية من خلال مؤسسة “زيرات الخيرية” التابعة للمشيخة، علاوة على إصدار شهادات الحلال للشركات الكرواتية والفنادق والمطاعم والمحلات، وإقامة الاحتفالات الدينية في الأعياد الإسلامية، وتنظيم إفطار الصائم في شهر رمضان المبارك.

•• هل للجمعية الإسلامية مؤسسات وفروع تغطي أنحاء كرواتيا؟
للجمعية الإسلامية أجهزة تمثيلية وإدارية ومؤسسات عديدة بجانب “المشيخة”، منها: مجلس الشورى الإسلامي الممثل التشريعي والسلطة العليا للجمعيةأو ما يعرف باسم البرلمان الإسلامي ويتكون من 23 عضوًا منتخبين من قبل المسلمين، ويتمثل دوره في إقرار الميزانية، وسن اللوائح والمراسيم، ومناقشة التقارير.

وكذلك من مؤسسات المشيخة، المركز الإسلامي في العاصمة زغرب، والمركز الإسلامي في رييكا، والأمانة العامة للمسابقة الأوروبية الدولية في حفظ وتلاوة القرآن الكريم، والمدرسة الثانوية الإسلامية، ومركز إصدار شهادات الحلال، بالإضافة إلى مؤسسة الوقف الإسلامي في كرواتيا، ومؤسسة زيرات الإنسانية.

وهناك المجالس الإسلامية؛ حيث يوجد في كل مدينة يعيش فيها أكثر من ألف مسلم مجلس إسلامي يقوم على إدارة المساجد والمراكز الإسلامية الثقافية، ويتراوح أعضاء هذا المجلس بين 5 و17 عضوًا، وينتشر في أنحاء كرواتيا 15 مجلسًا في مدن: دوبروفنيك، سبليت، رييكا، لابين، بولا، أوماغ، بوريتش، أوسيك، غونيا، سلآفونسكي، برود، وفاراجدين، سيساك، كارلوفاتس، زاغرب وزادار.

•• وماذا عن الدعم الذي تقدمه الدولة لكم؟
كرواتيا – كما ذكرت آنفًا – هي الدولة الثانية في أوروبا التي اعترفت بالدين الإسلامي رسميًا، وفي عام 2002م أصدر البرلمان الكرواتي قانونًا لتنظيم وضع الجمعيات الدينية في كرواتيا، تم على إثره توقيع اتفاقية بين الجمعية الإسلامية (المشيخة الإسلامية) والحكومة، حصلنا بموجبه على بعض الصلاحيات أهمها:

* تعترف الدولة بدور الجمعية الإسلامية الإيجابي والتاريخي والحضاري في بناء كرواتيا.

* لا تتدخل الحكومة والسلطات بأي شكل من الأشكال في الشئون الداخلية للجمعية.

* للجمعية الإسلامية الحق في بناء المساجد حسب قوانين البناء المعمول بها.

* للجمعية الحق في التعليم الإسلامي في المدارس الحكومية، ويكون معلمو مادة التربية الإسلامية على قائمة مرتبات وزارة التربية والتعليم.

* عقد الزواج الشرعي المبرم حسب قوانين الشريعة الإسلامية معترف به من قبل الحكومة الكرواتية كالعقد المدني المبرم في المحكمة.

* للجمعية الحق في تأسيس المؤسسات الخيرية والوقفية من أجل تنشيط أعمالها.

* للجمعية الحق في تربية الأطفال التربية الإسلامية في رياض الأطفال والحضانات التي تقوم بتأسيسها.

*تحصل المدارس التي تؤسسها الجمعية وفق القانون على الدعم المالي من الدولة.

* يمنع ويحظر إهانة المشاعر الدينية، ونشر الأخبار الكاذبة عن الإسلام في أي وسيلة إعلامية أو تعليمية، كما يحق لنا نشر الحقائق لتعزيز وتوضيح صورة الإسلام الحقيقية.

•• وما أشكال التعاون مع المؤسسات الدينية في أوروبا والعالم الإسلامي؟

مبدأ التعاون مع المؤسسات الدينية في أوروبا والعالم الإسلامي، هي من أسس ومبادئالمشيخة الإسلامية في كرواتيا، فنحن نشارك في الكثير من الفعاليات والمؤتمرات، كما نقوم بالتعاون مع جميع المؤسسات الرسمية الدينية في أوروبا حيث نقوم بتنظيم المؤتمرات العلمية والثقافية والدينية المختلفة ونقوم بدعوة الإخوة من العالم الأوروبي والعالم الإسلامي، كمانتعاون مع الجمعيات الدينية الأخرى غير المسلمة، ناهيك عن التعاون مع المؤسسات الحكومية، والدول والهيئات السيادية والمنظمات والجمعيات الإسلامية الرسمية في الخارج.

•• أطلقت المشيخة، والجمعية الإسلامية بكرواتيا، مشروع ميثاق مسلمي أوروبا، ما ملامح هذا الميثاق؟

كان ذلك ضمن احتفال الجمعية الإسلامية بالذكرى المئوية للاعتراف بالدين الإسلامي كدين رسمي بكرواتيا عام 2016م، وقد نظمنا ملتقى الجمعيات الإسلامية الأوروبية”المسلمون في أوروبا.. التراث والمستقبل”وعرضنا ميثاق مسلمي أوروبا الذي اشتملت بنوده على الآتي:

* دعوة دول الاتحاد الأوروبي بالاعتراف بالدين الإسلامي، وتشجيع التسامح والحوار بين الأديان وأخذ التجربة الكرواتية في التعاون مع المسلمين وإعطائهم كافة الحقوق، نموذجًا أوروبيًا يحتذى به في حسن التعامل مع الأقليات الدينية.

* تفعيل مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله في تجريم ازدراء الأديان.

* تفعيل رسالة المسجد الحضارية في التواصل والتعاون على البر والتقوى وتجنبيه كل الصراعات الحزبية والتأجيج المذهبي والطائفي.

* مطالبة المسلمين وقياداتهم في أوروبا بالانخراط الشامل واحترام مقتضيات المواطنة والمشاركة الإيجابية في المجتمع.

* نشر ثقافة الحوار والتسامح والتعايش بين مكونات المجتمع الأوروبي بكل أطيافه.

* تجديد لغة الخطاب الإسلامي ليكون خطابًا مرتبطًا بالأصل متصلًا بالعصر.

* على المفتين والأئمة والدعاة في أوروبا التعامل مع الموروث الفقهي الإسلامي وفق مقاربة تجمع بين فقه النص وفقه الواقع.

* تجريم الإرهاب والتصدي له فكريًا وثقافيًا وأمنيًا.

*دعوة رجال الفكر وصناع القرار إلى التفريق بين بعض أخطاء وسلوكيات المسلمين وبين الدين الإسلامي.

* العمل على إيجاد تحالف أوروبي بين أتباع الديانات والثقافات لتحقيق العيش المشترك وتكريس مبدأ مجتمع أوروبي متعدد الثقافات والأعراق والأديان.

•• يتم الآن التجهيز لمؤتمر الأقليات المسلمة الذي سيعقد في أبوظبي، هل للجمعية دور في هذا؟

الجمعية الإسلامية في كرواتيا تقوم بالتنسيق مع الجهات الرسمية الدينية الإسلامية في الدول الأوروبية، وتزويد اللجنة المنظمة بالعناوين لأجل توجيه الدعوات للمشاركة في هذا المؤتمر الذي سيعقد في العاصمة الإماراتية أبوظبي من 8-9 مايو المقبل، وهو المؤتمر الأول من نوعه بعنوان «الأقليات المسلمة الفرص والتحديات» بمشاركة 400 من قادة الأقليات المسلمة، وسوف يناقش المؤتمر الأوضاع لوضع إطار يشجع الأقليات المسلمة على القيام بدور مثمر في بلادهم وإظهار الصورة المشرقة للإسلام.

•• كلمة توجهونها لشباب العالم الإسلامي؟
أدعو الشباب في العالم الإسلامي إلى التمسك بكتاب الله وسنة نبيه “صلى الله عليه وسلم”، والمحافظة على أنفسهم؛ لأنهم عماد هذه الأمة، ولا يأتي التقدم والازدهار إلا بسواعد وعقول الشباب الواعي المستقيم، وأقول إذا صلح الشباب صلح المجتمع، لكن علينا أن نقدم للشباب كل الدعم والنصيحة والإرشاد، واستيعابهم وإيجاد فرص العمل التي تناسب طموحاتهم حتى لا تخلو مجتماعتنا من الشباب.

وأقول بشكل صريح إن لدينا في عالمنا العربي والإسلامي الكثير من النابغين والعباقرة الذين يفوقون أقرانهم في الغرب، ولا عجب أن ترى المتفوقين من العرب والمسلمين في جميع المجالات في الغرب، والقضية هي قضية ثقة التي كثيرًا ما نفتقدها في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، على الرغم أن ديننا الحنيف وسيرة نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم تحث على الاهتمام بالشباب

وجعلهم في الصفوف الأولى.

خالد ياسين خلال تسليم الجائزة لأحد الفائزين بالمسابقة الأوروبية الدولية للقرآن الكريم

تكريم مفتي كرواتيا لرئيسة الجمهورية كوليندا جرابر في مئوية الاعتراف بالإسلام دينًا رسميًأ